أحمد بن علي القلقشندي
310
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأهل الإيمان ، يجرّون ذيول العزائم ، وعبدة الصّلبان ، يعثرون في ذيل الهوان الدائم ، إلى أن عدمت الأرض منهم بحارها الزّواخر ، وأنوارها البواهر ، ورأت بعدهم العيون الفواقيء والمتون الفواقر ، واكفهرّ وجه اللأواء ( 1 ) ، وتفرّقت الفرق بحسب الأهواء ، وسفكت الدّماء وركبت المضلَّة العمياء ، واحتقبت الجوائر ، وأهمل الشرع والشّعائر ، ثم إن اللَّه تعالى أذن في كشف الكرب ، وأطلع بالغرب نورا ملأ الدّلو إلى عقد الكرب ، وهو النّور الذي أضاء للبصائر والأبصار ، وطلع على الآفاق طلوع النّهار ، وذخرت أيّامه السعيدة لدرك الثار ، وكلفت به الخلافة وطال بها كلفه ، وقام بالإمامة مثل ما قام بها الخلفاء الراشدون سلفه ، وذلك هو الخليفة الإمام أمير المؤمنين الرشيد باللَّه ابن الخلفاء الراشدين رضي اللَّه عنهم أجمعين ، وخلَّد في عقبهم الإمامة إلى يوم الدّين ، وهو الأسد الهصور ( 2 ) ، ومن أبوه المأمون وجده المنصور ، العريق في الخلافة ، والحقيق بالإمامة والإنافة ، فجمع ما افترق ، ونظَّم الأمور ونسّق ، ومنع الحوزة أن تطرق والملَّة أن تفترق أو تفرّق . وهذه نسخة بيعة كتب بها أبو المطرّف بن عميرة الأندلسيّ ( 3 ) بأخذ البيعة على أهل شاطبة من الأندلس لأبي جعفر المستنصر ( 4 ) باللَّه العبّاسيّ ، قام
--> ( 1 ) اللأواء : الشدّة . مختار الصحاح ( لأي ) . ( 2 ) الأسد الهصور : الأسد الشديد الَّتي يفترس ويكسر . لسان العرب ( هصر ) . ( 3 ) هو الإمام الأديب الكاتب القاضي أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عميرة المخزومي ، من أهل جزيرة شقرة ؛ سكن بلنسية ، وكان شيخ كتّاب زمانه وإمام أدباء أوانه ، وكان في الكتابة فارسها الذي لا يجارى . فارق الأندلس وقدم تونس وتوفي بها سنة 658 ه . انظر الذيل والتكملة ، القسم الأول ص 150 - 180 ، واختصار القدح ص 42 - 52 ، ونفح الطيب ( ج 1 ص 313 - 321 ) و ( ج 3 ص 488 ) ، والمقتضب من كتاب تحفة القادم ص 197 والأعلام ( ج 1 ص 159 ) . ( 4 ) هو أبو جعفر المنصور بن الظاهر بأمر اللَّه أبي نصر محمد بن أحمد ؛ ولد سنة 558 ه ، وبويع له بالخلافة ببغداد يوم موت أبيه الظاهر سنة 623 ه ، وقال ابن شاكر الكتبي : سنة 640 ه . وهو - الذي بنى المدرسة المستنصرية ببغداد على شط دجلة من الجانب الشرقي . وفي عهده استولى المغول على كثير من البلاد حتى كادوا يدخلون بغداد . وتوفي لعشر خلون من جمادى الأولى سنة 640 ه . انظر ج 3 من هذا المطبوع ص 263 ، وفوات الوفيات ( ج 4 ص 169 - 171 ) ، والكامل في التاريخ ( ج 12 ص 458 ) ، والبداية والنهاية ( ج 13 ص 159 ) والأعلام ( ج 7 ص 304 ) .